ليست الأحكام الشرعية المجردة في صورتها التقريرية المستخلصة من نصوص الوحي. غاية في ذاتها ، يل غايتها في أن تصير الى تنزيل في واقع الناس ، يكيف حياتهم ويهديها إلى ما فيه الخير والمصلحة ، والحكم الشرعي يتحقق مقصده بصفة عامة حينما تجرى وقائع الحياة بحسبه ، ولكن تلك الوقائع قد تحف ببعضها ملابسات بتأثير من ظروف الزمان والمكان ، تجعلها متفاوتة وإن كانت متشابهة ، ومن هذا التفاوت يحصل تفرد في أوضاع الحياة الفردية والاجتماعية بحسب الزمان والمكان ، مع الحفاظ على أسس عامة لتلك الأوضاع ، يتقومّ بها الوجود الإنساني في نطاق دائرة المجتمع المسلم.

وإذا كانت الأحكام الشرعية المجردة تقوّم الوجود الإنساني في أسسه المشتركة بصفة أصلية ، فإن ما تنفرد به الأوضاع والنوازل الواقعة من خصوصيات بتأثير الزمان والمكان ، يستلزم نظرا اجتهاديا في الأحكام المجردة ، ليصاغ فيها ما يغطي بالمعالجة تلك الفوارق بين الأوضاع ، وينشأ من ذلك لكل وضع واقعي حل شرعي معين يناسب التدين المطلوب ، ويكون هذا الحل الشرعي مشتقاً من الحكم المجرد ، ولكنه مصوغ بحسب ما تتطلبه الملابسات الواقعية لكل صورة من صور الحياة الواقعة ، وذلك ما نعنيه بمراعاة الواقع والمصالح كمبدأ منهجي في تطبيق الشريعة .

وعلى هذا الاعتبار فإن مراعاة واقع البلاد ومصالحها في تطبيق الشريعة ، لايعني تطويع أحكام الشريعة للواقع الكويتي ، وإنما يعني نظم الأحكام نظماً يتكون منه نسق مخصوص ، يقدر لمعالجة الواقع المعيش ، وينبني بحسبه ، فتراعى فيه خصوصياته وملابساته ، وهذا المنهج في التطبيق ليس من شأنه المساس بأصل مشروعية الأحكام بالإبطال ، بناء على تخلف مقاصدها عند التطبيق في بعض الأوضاع ، وإنما هو منهج قد يقتضي تعديل الحكم أو إرجاء تطبيقه في ظروف وحالات معينة ، أو يقتضي ترتيباً معيناً في أولويات التطبيق قد لا يكون هو الترتيب المبسوط في الفقه النظري ، أو تقتضي اجتهاد حكم غير منصوص عليه بناء على التحقيق الواقعي للمقاصد .

وهذا المنهج في التطبيق ليس بدعاً ، فهذه الصياغة واضحة جلية في فقه الأئمة المجتهدين في العصر الذهبي الأول للفقه الإسلامي ، حينما كان فقهاً اجتهادياً واقعياً حياً ، حيث كانوا يقومون بصياغة الأحكام .
 
 


      عدد القراء : 5246