المقصود بالتدرج في مجال تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية ليس ببعيد عن المعنى اللغوي له ، إذ يعني الأخذ بالأحكام شيئاً فشيئاً ، ضمن منهج زمني مدروس ، تعالج فيه الأوضاع والتراتيب معالجة شرعية ، بحسب ما يتوافر لهـا من أسباب النجاح والفاعلية عند التطبيق ، تقدم فيه الأحكام التي تعتبر أسباباً ومقدمات ، وتؤخر الأحكام التي تعتبر نتائج ومسببات.
وإذا كان البعض من الدعاة يعارضون ، أسلوب التدرج في التطبيق ، ويدعون إلى تطبيق فوري شامل ومكتمل للأحكام في جميع مجالات الحياة ، ويرون أن التدرج الذي كان في مبدأ نزول الوحي يبرره النقله الصعبة من جاهلية مطبقة إلى دين جديد مناقض لها ، أما اليوم فإن المسلمين لا يعيشون عهد جاهلية ، بل هم يعيشون حياة طابعها العام إسلامي تغشاها جاهلية في بعض جوانبها ، فيكون تطبيق الشريعة في واقعها بمثابة عملية تصحيح لا مبرر فيها للتدرج ، ثم إنهم يرون أن من الحرج الشديد أن تشتمل خطة الإصلاح على العمل بتطبيق بعض الأحكام ، وترك بعض الحالات تجري على باطلها ، مما يعد إقراراً لذلك الباطل ولو لمرحلة زمنية معينة.
فإن هذا الموقف يعبر بهذه النظرة المثالية ، عن شوق قديم لرؤية الإسلام مرفوع اللواء ، ورؤية أحكامه نافذة الكلمة ، ودعامة أصحاب الرأي المسموع في تنظيم المجتمع . وهو بذلك يفتقر إلى أدب الواقعية الذي يعتمد الأسباب . فالمتأمل في تاريخ المسلمين وواقعهم ، يجد أنه ومنذ ظهور الدولة الحديثة أوائل القرن الماضي ، قد عطلت أحكام الشريعة الإسلامية عن أن تكون الهادية لأكثر مجالات الحياة ذات الصبغة الاجتماعية ، وانحصرت في مجال ضيق من الحياة الفردية والأسرية ، ولم يكن هذا التعطيل ناشئاً عن اجتهاد في التطبيق على سبيل التأجيل مما قد يلجأ إليه أحياناً ، وإنما كان تعطيلاً ناشـئاً عن غفلة من قبل البعض وعن تبييت عداء للدين من قبل البعض الأخر حتى آل الوضع إلى أن استبدلت بأحكام الشريعة الإسلامية قوانين وضعية مستمدة من الحضـارة الغربية أصبحت هي السائدة في أكثر مجالات الحياة للمجتمع الإسـلامي ، فانقطع بذلك السند بين المسلمين وبين تطبيق الشريعة الإسلامية في واقعهم ، وهو ما أحدث فجوة كبيرة في الانتماء الشرعي اهتداء في السلوك ، وفقهاً في التطبيق ، بل وإيماناً بحاكمية الشريعة . والذي زاد الطين بله ، أن هذا القرن الذي شهد فيه المسلمون انقطاع الشريعة عن واقع حياتهم ، لم يكن استمراراً في إيقاع الحياة للقرون الخوالي التي اتصفت بالجمود ورتابة الأحداث، ولكنه كان عكس ذلك تماماً، فهو قرن التحولات الكبرى في حياة المسـلمين ، ففيه انتبهوا من سباتهم الحضاري وكان في عالم الغرب أنموذج من الحياة، ثري في التعمير المادي، مبهر في الإنجاز المدني، فيمموا شطر هذا الأنمـوذج لتعديل حياتهم الراكدة بحسبه على ما بينهما من هوة سحيقة .
ومثل هذا الواقع الإسلامي المشوب بجاهلية في كثير من نواحي الحياة ، لا يمكن أن يعالج بخطة شرعية جاهزة تطبق عليه دفعة واحدة لانتشاله من الباطل الضارب فيه حتى يصبح على صراط شرعي مستقيم كما يظن البعض ، وإنما يحتاج علاجه إلى عمل تدريجي في إحلال الأحكام الشرعية محل الانحرافات السائدة فيه ، ضمن خطة محسوبة تتدرج مراحلها بما يضمن متاباً صادقاً عما يتم الانسلاخ منه ، وإقبالاً راسخاً على ما يقع الانخراط فيه من أحكام .
ووجوه الحكمة في التدرج كثيرة ، منها رفع ا لحرج ، الذي يكون بالانتقال الفجائي من حال إلى حال مما قد يؤدي إلى رفض الهداية والنفور منها ، ومنها أن فيه تمرساً وخبرة بما يتم إنجازه ، يساعد كثيراً على نجاح ما ينتظر تطبيقه ، فيكون في التوالي اكتساباً لحكمة تطبيقية ، تفيد أيما إفادة في إنضاج تطبيق الأحكام ، لتصل أقصى أمد لها في الإصلاح .
والمرحلية المتدرجة سنّة في تنزيل أحكام التشريع ، فالدارس للكتاب والسنة يجد كيف وبأي تدرج وانسجام تم الانقلاب الاجتماعي على يد النبي صلى الله علي وسلم e في مجتمع المدينة ، فقد نفذ قانون المواريث في سنة ثلاث من الهجرة ، واكتمل قانون الأحوال الشخصية شيئاً فشيئاً إلى سنة سبع ، ومازالت قواعد قانون الجزاء تنفذ مادة مادة إلى أن اكتملت في سنة ثمان ، والربا وإن كان قد نعى على المتعاملين به بكل صراحة ، لم يلغ بصفة نهائية إلا في سنة تسع بعد أن تم إفراغ نظام الاقتصاد كله في القوالب الجديدة . وكذلك الحال في تحريم الخمر وفرض الحج والصوم والصلاة . وهذا المسلك القرآني الذي يقوم على التدرج في تشريع الأحكام ، تشهد العديد من الآيات القرآنية والأحـاديث النبوية على جـوازه في مجـال تطبيق تلك الأحكام . من ذلك : قوله تعالى في سورة البقرة
(يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) (آية 185) وقوله : (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها) (آية 286) وقوله في سورة الحج : (وما جعل عليكم في الدين من حرج) (آية 78) .
ومن الحديث الشريف قوله e " إن هذا الدين متين ، فأوغلوا فيه برفق " ( ). وقوله e " إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه " ( ).
التدرج وترتيب أولويات العمل :
يرتبط بالتدرج كأسلوب منهجي في تطبيق الأحكام الشرعية في مهمة عمل اللجنة ، مسألة أخرى لا تقل عنه أهمية ، ولا تنفصل عنه في العمل ، وهي ترتيب أوليات الإنجاز . ذلك أن من أعقد المشاكل التي تواجـه العاملين على التغيير الاجتماعي ، تحديد نقطة البداية في هذا التغيير ، وترتيب أولويات العمل في برامج الإصلاح ، بحيث يتوقف نجاحهم على مدى اجتهادهم في تمييز ما يحتاج إلى العمل السريع وما يحتمل الإرجاء والانتظار ، في ضوء القيم التي يقوم عليها التغيير المزمع إجراؤه . فإذا طال بهم أمد البحث أو عجز اجتهادهم عن تقديم الحل ، فإن السبل تتفرق بهم ، وتتعدد زوايا النظر إلى الأولويات فيجتهد كل منهم على مسئوليته بمقدار نصيبه من المعرفة والحكمة وما يتمتع به من حنكة وبصيرة في فهم أصول العمل الاجتماعي ، الأمر الذي يعوقهم عن بلوغ هدفهم في الوقت وعلى النحو المطلوب .
واللجنة الاستشارية العليا وهي تسعى إلى بناء الكويت الحديثة على أساس إسلامي ، باستكمالها تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية في نظامها القانوني ، ليست مستثناة من هذه الظاهرة ولا هي معفاة من مخاطرها ومحاذيرها ، بل لعل مشكلتها في ترتيب أولويات العمل في ظل سياسة التدرج أن تكون أشد وأكبر ، ذلك أن ترتيب الأولويات في إطار إسلامي تتنازعه اعتبارات مختلفة ، وتتوزعه معايير عديدة ، فهو ليس قائماً على تقدير الأهم والمهم من حيث المصلحة الاجتماعية فحسب ، وإنما يتداخل في تحديده أمور أخرى في إطار من التصور الاعتقادي الشامل الذي يقوم عليه الإسلام . ولهذا الترتيب صور متعددة ، تتحدد في كل بيئة بحسب معطياتها ، فقد يكون بحسب درجة الثبوت وقطعية المصدر الذي يستند إليه الحكم محل البحث ، وهو ترتيب قد يتفق وقد لا يتفق مع الترتيب القائم على رعاية المصلحة الاجتماعية كما يقررها الناس ، فما ثبت بدليل قطعي يكون أوفر نصيباً من الطلب والإلحاح في برامج الإصلاح ، بينما تتراخى في الترتيب أمور أخرى إذا لم يحمل دليل ثبوتها درجة اليقين التي تحملها نصوص أخـرى ربما كانت تعـالج أموراً أقل أهمية ، أو أقل اتصالاً بالمصلحة الاجتماعية الظاهرة .
وقد يكون ترتيباً قطاعياً بحسب مجالات الحياة ، كأن يبدأ تطبيق الأحكام في مجال التشريعات الاجتماعية ، ثم في مجال المعاملات الاقتصادية ، ثم في مجال الجرائم والحدود ، وهكذا تنجز الشريعة في مجال بعد أخر ، مع مراعاة ما هو ممهد لغيره فيقدم عليه . وقـد يكون ثمة تـدرج في نطاق المجال الواحد ، كأن يعمد مثلاُ في مجال الاقتصاد ، فيبدأ بتطبيق الأحكام المتعلقة بالاستثمار ووسائله ، ثم المتعلقة بالإنتاج ، ثم المتعلقة بتوزيع الثروة ومسالكها وهكذا حتى ينتظم هذا القطاع على أحكام الشرع بالتدرج الذي تقتضيه طبيعة عناصر الاقتصاد وعلاقاتها ببعضها . ويقع مثل ذلك في سائر القطاعات الأخرى على هيئة متوازية ، يتنامى فيها تطبيق الشريعة أفقياً بما يخدم بعضه بعضاً في مسيرة هدفها بلوغ الاكتمال في انخراط سائر وجوه الحياة ضمن الخطة الشرعية .
والجدير بالذكر أن التدرج في تطبيق الأحكام كأسلوب منهجي في مهمة عمل اللجنة العليا ، إنما هو التدرج الكمي ، الذي تقدم فيه بالتطبيق بعض الأحكام وتؤخر أخرى إلى أجل لاحق ، وليس هو التدرج الكيفي الذي ينمو فيه الإيجاب والمنع ، من الأخف إلى الأشد ، كما كان في مبدأ نزول الدين . فذلك إنما كان خاصاً بتلك المرحلة ، أما وقد اكتملت أحكام الدين في صورتها النهائية ، فلا مجال للتصرف في كيفياتها من قبل الإنسان بالزيادة والنقصان ، وإنما هو إنجاز للحكم مكتملاً حينما يحقق الإنجاز مقصده ، أو تأخير لإنجازه مكتملاً حينما تدعو الضرورة لتأخيره .
وغني عن البيان أن هذا التدرج في التطبيق وما يصاحبه من ترتيب للأولويات ، يحتاج إلى فقه عميق بالعلوم الإنسانية الاجتماعية والاقتصادية ، كما يحتاج إلى دراية دقيقة بمعطيات الواقع ، حتى ترتب الأولويات بحسب تلك المعطيات ، ويوضع كل شيء في مرتبته الحقيقة ، ثم يقدم الأولى بناء على معايير شرعية صحيحة في ضوء ما يمليه الواقع والمصلحة ، فلا يقدم غير المهم على المهم ، ولا المهم على الأهم ، بل يقدم ما حق تقديمة ويؤخر ما وجب تأخيره .