إن المنهج الإستصحابي الذي انتهجته اللجنة في إنجاز مهمتها ، يقوم كما سلف القول ، على نظر تقديري للواقع لتبين خطوط الهدى من خطوط الضلال في سيرة الناس ، حتى يكون استصحاب الأوضاع الصالحة بعد ذلك مبنياً على اليقين ، أو ما يقرب منه من الظن الراجح ، فلا يدخل الشريعة خطأ ، ولا يلابسها باطل .
والنظر التقديري للواقع ، يكشف عن صور في حياة المسلمين ، منها ما هو مندرج في بيانات شرعية ثابتة ، وأحكام مقررة بنصوصها ، بعضها بيّن في اهتدائه بالشريعة ، مثل ما يجرى في الشعائر التعبدية ، وفي أحكام الأسرة ، وبعضها بيّن في فسوقه عنها ، كما هو الحال في النظام الربوي ، وتقنين الزنا والخمر ، وبعضها متردد بين هذا وذاك فيحتاج إلى نظر اجتهادي لتحقيق المناط فيه ، ليدرج بعد ذلك في إطار الحكم الشرعي اللائق به .
وثمة صور أخرى في حياة المسلمين ليست مندرجة في أحكام شرعية مقررة لا بالنص ولا بالاجتهاد ، وذلك لأنها طارئة من التأثير الحضاري بالعالم الغربي ، وكان طرؤها في غفلة من التقدير الشرعي ، حينما أصبح الفقه في جمود قصر به عن استيعاب الأوضاع الوافدة بميزان الشرع .
وهذه الصور الطارئة التي أصبحت مكينة في حياة الناس ، ربما جرى بعضها عفواً لا يرد عليه من الشريعة إيجاب ولا منع ، وربما جرى بعضها على ما يؤول به إلى ما يقتضي المنع لما يجره من مفسدة ، وربما جرى بعضها الآخر على ما يقتضي الإيجاب لما يفضي إليه من مصلحة .
ولما كانت هذه النظم والأوضاع الطارئة تنبني في كثير من الأحيان على معطيات دقيقة من كسوب العلوم التخصصية الحديثة ، سواء في الاقتصاد أو الطب أو الفيزياء أو الرياضيات أو الفلك أو علم النفس أو الاجتماع ، فإن النظر التقديري فيها لا يكون إلا تضافراً بين علماء الشريعة والمتخصصين في العلوم ذات الصلة . إذ قد يغيب عن أولئك شيْ من حقائق هذه النظم ، كما قد يغيب عن هؤلاء شيْ من الاعتبارات الشرعية في التقدير ، فيكون انفراد أي من الفريقين بالنظر التقديري فيها مفضياً إلى خطأ في التمييز بين ما هو صالح وما هو فاسد بميزان الشرع الذي هو ميزان المصلحة .
فالقانون باعتباره مجموعة القواعد التي تقيم نظام المجتمع وتحكم سلوك الأفراد وروابطهم الاجتماعية ، لا يمكن أن ينفصل عن العلوم المتصلة بمضمون القاعدة القانونية ، بل إن دور الصناعة القانونية لابد وأن يكون تالياً لنتائج تلك العـلوم بما تقدمه من تصور لعلاج مشكلات الجماعة والأفراد .
لذلك وجب قبل التصدي لصياغة التشريعات وفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية ، أن تكون الأبحاث قد استقرت على مضمون القاعدة المراد صياغتها ، أي على صورة تطبيق الشريعة الإسلامية في الموضوع محل التشريع .
وفي ضوء ما سلف ، فإنه يمكن القول في صدد إحياء الفقه الإسلامي بالخطوط العامة الرئيسية التالية :
(1) ليس من شك في أن ما تضمنه الفقه الإسلامي من أصول الأحكام بما عرف بأصـول الفقه ، يعتبر تراثاً عظيماً غني الثراء ، وأسـاساً لا غنى عنه لأي اجتهاد ، ويعتبر نقطة البدء في الاستفادة من تراث الفقه الإسلامي ، والبناء عليه في عملية التطوير والتواصل.
(2) ليس من شـك كذلك في الاستفـادة الكبـيرة مما توصـل إليه الفقه الإسلامي في مجال الحدود .
(3) أما في نطاق النظم السياسية ، والعلاقة الدولية ، والمعاملات المدنية ، وإجراءات التقاضي ، وقواعد الإثبات ، فإن المساحة التي تحتـاج إلى مزيد من التطوير والابتداع تتسع وتمتد ، لأنها المجال الأرحب لابتداع أنسب الحلول لمعطيات العصر ، في ضوء ما يسوده من ظروف سياسية واجتماعية واقتصادية ، الأمر الذي يتطلب مزيداً من الاجتهاد في هذه المجالات على ضوء المصلحة التي عليها معطيات الواقع المعيش .