إن النصوص التشريعية لم تتناول كل شيء بالتفصيل ، فالله عز وجل بين حكمه في أشياء وسكت – رحمة بنا – عن أشياء ، وحين تناولت النصوص أمور التشريع المختلفة ، تناولت بعضها بالتفصيل الشامل والتحديد الذي لا يترك مجالاً لاجتهاد أو تأويل ، وتناولت بعضها الآخر بالعموم والإجمال ، مما يعد تفويضاً بالاجتهاد .

ومن ناحية ثانية فإنه منذ ظهور الدولة الحديثة في العالم الإسلامي أوائل القرن الماضي ، عطلت أحكام الشريعة عن أن تكون الهادية لأكثر مجالات الحياة ذات الصبغة الاجتماعية ، وانحصرت في مجال ضيق من الحياة الفردية والأسرية .

وهذا القرار الذي شعر فيه المسلمون انقطاع الشريعة عن واقع حياتهم لم يكن استمرارا في إيقاع الحياة للقرون الخوالي التي اتصفت بالجمود ورتابة الأحداث ولكن كان عكس ذلك تماماً حيث شهدت فيه حياة المسلمين تحولاً كبيراً في النظم العامة السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، وكان من نتاج ذلك أن طرأ عليهم نظم وأوضاع مستحدثة ليس فيها أو ماشبهها سابقة من اجتهاد شرعي ، لما طال عليه من عهود الجمود وانقطاع في التطبيق ، الأمر الذي يتطلب النظر التقديري فيها للوقوف على درجة المصلحة التي تحققها أو المفسدة التي تجر إليها تمهيداً لإدراجها تحت الحكم الشرعي اللائق بها .

وفضلاً عن ذلك فإن النص الديني – أيا كان موقعه الكتاب أو السنة – ورد حاملاً من المعنى ما يناسب البشر جميعاً في كل زمان ومكان باعتبار خاتمية الوحي فيه ، وهذا ما يجعل النص يحمل من كنوز المعاني مالا يستنفذه جيل واحد من المسلمين ، بل يمكن أن يكتشف فيه كل جيل ما لم يكتشفه الذي قبله .

كما أن بسط أحكام الدين على واقع الناس وتقويم مسالكهم بنهجه ، يجب أن يأخذ بعين الاعتبار معطيات العصر ومشكلات الناس ، الذين هم محل الحكم الشرعي ، وهذه المسلمة لحقت بها إصابات بالغة من خلال ما لوحظ على بعض محاولات التقنين من انفصال المجتهدين عن هم أمتهم وقضايا عصرهم ، والدوران في فلك اجتهادات السلف ، والتي على الرغم من دقتها وتميزها وإبداعها ، فإن أقل ما يقال بشأنها أنها ليست من نتاج العصر.

 
لذلك فإنه ولئن كانت أية محاولة جادة لتطبيق الشريعة الإسلامية في مجال القانون ، لابد وأن تتخذ من التراث الفقهي الذي تركه الأسلاف من الفقهاء ، أساساً ينطلق منه الاجتهاد ، إلا أن ذلك لا يعني أن يصبح فقهاء اليوم أسرى لاجتهادات فقهاء الأمس ، وإنما واجب فقهاء اليوم واجب مزدوج ، يبدأ بدراسة فقه السلف للإلمام به والوقوف على صناعته وأساليب البحث فيه وتحديد نقطة الجمود التي توقف عن العطاء عندها ، ثم التقاط الخيط عند هذه النقطة ومكابدة الاجتهاد للوصول إلى الحل الذي كان يمليه ذلك الفقه لمشكلات العصر فيما لو كتب له التواصل ولم يفرض عليه التوقف ، فالمطلوب أن يكون فقهاء اليوم أمتداد لفقهاء الأمس تتواصل بهم جهود الآخرين وتتجدد ، لتعطي حلول اليوم في ضوء معطيات العصر .
والجدير بالذكر أن حاجة الفقه الإسلامي إلى التطوير والتواصل بالمعنى السالف لا يعني قصور هذا الفقه أو عجزه ، بل إن قابليته للتطوير والتواصل هو الدليل الحاسم على عظمته وعمق الصناعة الفقهية فيه ، وقدرته على إعطاء الحلول لمعطيات كل عصر .
 
 


      عدد القراء : 5295