إذا كانت أية محاولة جادة لتطبيق الشريعة الإسلامية في مجال القانون لابد وأن تتخذ من التراث الفقهي أساساً تنطلق منه ، فإن أول ضمانات نجاح هذا التطبيق وأولاها ، هي العدول عن الالتزام بمذهب فقهي واحد والخروج إلى سعة اختيار الأحكام من مختلف المذاهب الفقهية .
فالتزام مذهب واحد أو أرجح الآراء فيه ، من شأنه أن يعوق الاجتهاد ، كما قد يفضي إلى حلول لا تتفق والواقع المعيش ولا يحقـق تطبيقهـا مقاصد الشرع منها ، بل ربما أحدث من الحرج للمسلمين شيئاً كثيراً ، وقد كان ذلك أحد الأسباب التي أدت إلى إقصاء الشريعة الإسلامية عن التطبيق ، واستبدال القوانين الوضعية بأحكامها في كثير من البلاد الإسلامية مطلع القرن الماضي ، حيث لا يغيب عن البال في هذا الصدد ما أثير في مصر سنة 1903م عن موضوع الغيبة المنقطعة - حكم غياب الزوج عن زوجته غياباً تنقطع به أخباره دون أن تعرف حياته من مماته - فمذهب الإمام أبي حنيفة في هذه الحالة عدم اعتبار الزوج ميتاً ، وبقاء الزوجة على ذمته حتى يموت أمثاله عمراً موتاً طبيعياً مهما تطاول المدى على ذلك عشرات السنين . ولا يخفى ما في هذا الحكم من حرج شديد على زوجة شابة ليس لها مصدر رزق ، وفي مذهب الإمام مالك فرجة لمثل هذه الحالة ، إذ يحدد زمن الغيبة بأربع سنوات يجوز بعدها الحكم بموت الزوج المفقود أو الحكم بتطليق زوجته . وإزاء عدم إمكانية عدول المحاكم الشرعية عن مذهب الإمام أبي حنيفة لالتزامها الحكم بالراجح فيه آنذاك ، فقد تعالت الأصوات المنادية بإلغاء تلك المحاكم التي تطبق قواعد جامدة توقع الناس في حرج شديد باسم الدين ، ومنذ ذلك التاريخ أخذت اختصاصات تلك المحاكم في التقلص شيئاً فشيئاً لصالح المحاكم الأهلية التي تحتكم إلى القوانين الوضعية إلى أن ألغيت تماماً عام 1955.
والسعي للخروج من دائرة المذهب الواحد – أياً كان هذا المذهب – لا يعني الابتعاد عن مذهب جامد في ذاته ، فكل المذاهب الفقهية زاخرة بالاجتهادات التي أثرت واقعها ، إنما يعني ذلك إفساح المجال للاختيار من بين المذاهب المختلفة ، مما يكون أكثر تحقيقاً للمصالح ، وأدعى إلى التيسير على الناس ، ذلك التيسير الـذي تتمـيز بـه الشريعة الإسلامية وتنطق به آيات القرآن كما في قوله تعالى " وما جعل عليكم في الدين من حرج " وقوله صلى الله عليه وسلم " اختلاف أمتي رحمة " .
والجدير بالذكر أن التخيير الفقهي المقصود في مهمة عمل اللجنة، لا يعني الاعتماد على الآراء الشاذة التي لا تستند إلى دليل معتبر ، أو الجري وراء رخص المذاهب ، أو اتباع الهـوى ، وإنما يعـني الموازنة بين الآراء الفقهية المعتبرة ، وترجيح ما يتفق منها مع المصلحة وما تشهد له قواعد الشريعة الكلية ومقاصدها العامة . والمصلحة المعتبرة هنا أساساً للترجيح بين الآراء ، هي مصلحة الكافة ، وهي مصلحة مطلقة من حيث موضوعها ومن حيث مداها ، أي يستوي أن تكون سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو غير ذلك من مجمـوعة المصـالح الأسـاسية للمجتمع ، كما يستوي أن تكون مصلحة داخلية أو خارجية ، وهذا الإطـلاق يأتي محصلة طبيعية وانسجاماً منهجياً مع ما تتسم به الشريعة الإسلامية من شمولية .