بنيت الشريعة الإسلامية في أصل تشريعها على منهج في التنزيل يتعامل مع واقع الجاهلية بمنهج لا يقوم على الإلغاء المطلق ، بل ينظر إلى أوضاع ذلك الواقع فرادى ، فما كان منه باطلاً أبطله ، وما كان منه حقاً استصحبه بإضفاء الشرعية عليه ، حتى صيغت الشريعة في نظم متكامل أصبحت فيه المستصحبات جزءاً منها ، وقد كانت جزءاً من واقع الجاهلية .

وقد انتهج الأئمة المجتهدون هذا النهج الاستصحابي في تطبيق الشريعة الإسلامية على واقع الأمصار التي فتحها الإسلام ، وقد كان كثير منها ثرياً بمكاسب حضارية واسعة ، فأقروا كثيراً من الأعراف والنظم ، واتخذ بعضهم من العرف والعادة مصدراً من المصادر الاجتهادية للتشريع ، فتعاملوا بذلك مع الواقع الإنساني بميزان تصحيحي لا بميزان إلغائي ، وفي ذلك حكمة غير خفية في أخذ الناس باللطف لتحويل حياتهم من الضلال إلى الهدى بدون انقلابية قد تبوء برفض الهداية والنفور منها .

والمتأمل في النظام القانوني الكويتي يجد أنه استصحب نظماً من هدي الشريعة ظل جارياً عليها دون أن ينالها الزمن بتحريف أو تعديل ، وذلك في مجالات العقائد والشعائر التعبدية والأحوال الشخصية ، وبعض مجالات التعامل الاجتماعي العام .

وبذلك تضافرت كل من الشريعة في بنائها الأول على الاستصحاب ، ومنهج الأئمة المجتهدين في تعاملهم مع الواقع بإقرار العادات والأعراف مصدراً للتشريع ، وحظ الواقع القانوني الراهن من الدين ، تضافرت كلها مبررات للأخذ بأسلوب التطبيق الاستصحـابي لأحـكام الشريعة الإسلامية ، وذلك بالإبقاء على القوانين السارية وتنقيتها مما يتعارض منها مع أحكام الشريعة الإسلامية ، واستكمال ما لم يتم تطبيقه من أحكامها ، وذلك تقديراً – للأسباب آنفة البيان - أن هذه القوانين لا تتعارض في جملتها مع أحكام الشريعة ، وإذا كان ثمة خلاف فيما بينهما فهو في أمور قليلة لا تبرر ثورة أو انقلاباً ضد النظام القانوني القائم ، بل يلزمها اجتهاد سليم في ضوء معطيات العصر وظروف الواقع لضمان توافقها مع أحكام الشريعة الإسلامية .

مآل النظم المستصحبة :

ثمة تساؤل هام يثور بصدد سياسة المحافظة على النظم التي لا تتعارض مع أحكام الشريعة ، حول ما إذا كان استصحاب هذه  النظم أو التراتيب ، يتـم بإدراجها في المنظومة الشرعية بطريقة آلية بمجرد تبين المصلحة فيها ؟ أم أن ذلك يحتاج إلى اجتهاد مكمل للاجتهاد الذي ثبت به صلاحها ، وهو اجتهاد يهدف إلى تأكيد شرعية ما يُقر استصحابه وترسيخه في مناخ الشريعة ، حتى يصبح نبتة شرعية خالصة لضمان الانسجام بينها وبين سائر الأحكام في المنظومة الشرعية ؟ .

ولعل السبب في إثارة هذا التساؤل ، أن الأصل في الحياة الإسلامية أن تكون أوضاعها وتراتيبها ناشئة من داخل هذه الحياة ، فلا يبتدع نظام ولا يقبل وضع إلا وهو مؤسـس في دواعيه وخلفـياته وتركيبه عـلى مقتضيات الشريعة فيندرج حينئذ في منظومة الشريعة اندراجاً تلقائياً مأموناً . وقد كان الأمر يجري على هذا النحو حينما كانت الحضارة الإسلامية قائمة ، إذ كانت ضرورة النمو تولد الأنواع الجديدة من المعاملات والنظم في شتى مجالات الحياة ،فتولد هذه المعاملات والنظم ولادة شرعية من أصلها ، ولا تصبح جارية في الواقع إلا وأحكامها مقررة مندرجة في النسق العـام للشريعة ، أما وقـد توقفت الحياة الإسلامية عن الحركة الحضارية ، وأصبحت ترد عليها النظم والأوضاع من خارجها وفي غيبة من الحراسة الشرعية ، فإن هذه النظم والأوضاع وإن تبينت فيها المصلحة ، فإنها بحكم ولادتها غير الشرعية في الأصل ، ستظل موصولة إن ظاهراً وإن خفياً بمناخها الذي ولـدت فيه ، وستظل تمثل إفرازاً لمنظومة أيدلوجية مخالفة للمنظومة العقدية الإسلامية ، فليس من نظام أو ترتيب مهما كان موغلاً في صفته العملية ، إلا وهو نتاج تصـور أيدلوجي ، ولذلك فإنه مهما تأكد خلوصه في تحقيق المصلحة ، إلا أنه يبقى في دائرة التصور الذي نتج عنه ، وقد يحمل منه في طياته عرقاً دساساً لا يظهر أثره إلا بعد حين من تقلبات الأحوال .

 وهذا هو ما يدعو إلى أن يكون استصحاب النظم والأوضاع الوافدة التي تثبت فيها المصلحة مبنياً على اجتهاد مكمل للاجتهاد الذي ثبت به الصلاح ، ولعل هذا الاجتهاد يمر بمرحلتين :

الأولــــى :

بقطع الصلة بين الوضع المستصحب ومما عسى أن يكون قد علق به من آثار أيدلوجية ظاهرة أو خفية ، وقد يكون ذلك بتعديل في الصورة ، أو باقتطاع من سياق ، أو بإعادة تركيب في العناصر ، أو بإعادة التخريج على أصل شرعي ، أو بغير ذلك من الأساليب التي من شـأنها تـبرئة النظام المستصحب من كل نسبة إلى التربة الثقافية العقدية التي نبت فيها .

وأما المرحلة الثانية :

فتكون بإدراج التراتيب والتنظيمات المستصحبة بعد تنظيفها وتهذيبها في سياق الشريعة ، لتحتل موضعاً جديداً ضمن المنظومة الشرعية بعدما كانت في سياق ثقافي آخر ، ولتصبح في موضعها الجديد أحكاماً شرعية مثلها مثل سائر الأحكام المتعلقة بأوجه الحياة المختلفة .

وإذا كان نجاح التطبيق الاستصحابي للشريعة الإسلامية في الواقع الراهن ، يتوقف في جانب كبير منه على ذلك الاجتهاد التكميلي بمرحلتيه السابقتين ، بحسبانه الضمانة الكبرى لتناسق وانسجام أحكام المنظومة الشرعية ، فإن توقيته يتوقف على طبيعة النظام المستصحب ، فمن النظم المستصحبة ما يتعين تناولها بالتهذيب العقدي والتأصيل الشرعي مع مرحلة التطبيق الاستصحابي ، ومنها ما يمكن تناوله بالاجتهاد المكمل في مرحلة تالية بعد الانتهاء من تنقية القوانين القائمة واستكمال الأحكام الناقصة .

 


      عدد القراء : 5523