logo
logo
logo

Committee Origin

استراتيجية اللجنة

الإبقاء على النظم التي لا تتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية

بنيت الشريعة الإسلامية في أصل تشريعها على منهج في التنزيل يتعامل مع واقع الجاهلية بمنهج لا يقوم على الإلغاء المطلق ، بل ينظر إلى أوضاع ذلك الواقع فرادى ، فما كان منه باطلاً أبطله ، وما كان منه حقاً استصحبه بإضفاء الشرعية عليه ، حتى صيغت الشريعة في نظم متكامل أصبحت فيه المستصحبات جزءاً منها ، وقد كانت جزءاً من واقع الجاهلية .

وقد انتهج الأئمة المجتهدون هذا النهج الاستصحابي في تطبيق الشريعة الإسلامية على واقع الأمصار التي فتحها الإسلام ، وقد كان كثير منها ثرياً بمكاسب حضارية واسعة ، فأقروا كثيراً من الأعراف والنظم ، واتخذ بعضهم من العرف والعادة مصدراً من المصادر الاجتهادية للتشريع ، فتعاملوا بذلك مع الواقع الإنساني بميزان تصحيحي لا بميزان إلغائي ، وفي ذلك حكمة غير خفية في أخذ الناس باللطف لتحويل حياتهم من الضلال إلى الهدى بدون انقلابية قد تبوء برفض الهداية والنفور منها .

والمتأمل في النظام القانوني الكويتي يجد أنه استصحب نظماً من هدي الشريعة ظل جارياً عليها دون أن ينالها الزمن بتحريف أو تعديل ، وذلك في مجالات العقائد والشعائر التعبدية والأحوال الشخصية ، وبعض مجالات التعامل الاجتماعي العام .

وبذلك تضافرت كل من الشريعة في بنائها الأول على الاستصحاب ، ومنهج الأئمة المجتهدين في تعاملهم مع الواقع بإقرار العادات والأعراف مصدراً للتشريع ، وحظ الواقع القانوني الراهن من الدين ، تضافرت كلها مبررات للأخذ بأسلوب التطبيق الاستصحـابي لأحـكام الشريعة الإسلامية ، وذلك بالإبقاء على القوانين السارية وتنقيتها مما يتعارض منها مع أحكام الشريعة الإسلامية ، واستكمال ما لم يتم تطبيقه من أحكامها ، وذلك تقديراً – للأسباب آنفة البيان - أن هذه القوانين لا تتعارض في جملتها مع أحكام الشريعة ، وإذا كان ثمة خلاف فيما بينهما فهو في أمور قليلة لا تبرر ثورة أو انقلاباً ضد النظام القانوني القائم ، بل يلزمها اجتهاد سليم في ضوء معطيات العصر وظروف الواقع لضمان توافقها مع أحكام الشريعة الإسلامية .

مآل النظم المستصحبة :

ثمة تساؤل هام يثور بصدد سياسة المحافظة على النظم التي لا تتعارض مع أحكام الشريعة ، حول ما إذا كان استصحاب هذه النظم أو التراتيب ، يتـم بإدراجها في المنظومة الشرعية بطريقة آلية بمجرد تبين المصلحة فيها ؟ أم أن ذلك يحتاج إلى اجتهاد مكمل للاجتهاد الذي ثبت به صلاحها ، وهو اجتهاد يهدف إلى تأكيد شرعية ما يُقر استصحابه وترسيخه في مناخ الشريعة ، حتى يصبح نبتة شرعية خالصة لضمان الانسجام بينها وبين سائر الأحكام في المنظومة الشرعية ؟ .

ولعل السبب في إثارة هذا التساؤل ، أن الأصل في الحياة الإسلامية أن تكون أوضاعها وتراتيبها ناشئة من داخل هذه الحياة ، فلا يبتدع نظام ولا يقبل وضع إلا وهو مؤسـس في دواعيه وخلفـياته وتركيبه عـلى مقتضيات الشريعة فيندرج حينئذ في منظومة الشريعة اندراجاً تلقائياً مأموناً . وقد كان الأمر يجري على هذا النحو حينما كانت الحضارة الإسلامية قائمة ، إذ كانت ضرورة النمو تولد الأنواع الجديدة من المعاملات والنظم في شتى مجالات الحياة ،فتولد هذه المعاملات والنظم ولادة شرعية من أصلها ، ولا تصبح جارية في الواقع إلا وأحكامها مقررة مندرجة في النسق العـام للشريعة ، أما وقـد توقفت الحياة الإسلامية عن الحركة الحضارية ، وأصبحت ترد عليها النظم والأوضاع من خارجها وفي غيبة من الحراسة الشرعية ، فإن هذه النظم والأوضاع وإن تبينت فيها المصلحة ، فإنها بحكم ولادتها غير الشرعية في الأصل ، ستظل موصولة إن ظاهراً وإن خفياً بمناخها الذي ولـدت فيه ، وستظل تمثل إفرازاً لمنظومة أيدلوجية مخالفة للمنظومة العقدية الإسلامية ، فليس من نظام أو ترتيب مهما كان موغلاً في صفته العملية ، إلا وهو نتاج تصـور أيدلوجي ، ولذلك فإنه مهما تأكد خلوصه في تحقيق المصلحة ، إلا أنه يبقى في دائرة التصور الذي نتج عنه ، وقد يحمل منه في طياته عرقاً دساساً لا يظهر أثره إلا بعد حين من تقلبات الأحوال .

وهذا هو ما يدعو إلى أن يكون استصحاب النظم والأوضاع الوافدة التي تثبت فيها المصلحة مبنياً على اجتهاد مكمل للاجتهاد الذي ثبت به الصلاح ، ولعل هذا الاجتهاد يمر بمرحلتين :

الأولــــى :

بقطع الصلة بين الوضع المستصحب ومما عسى أن يكون قد علق به من آثار أيدلوجية ظاهرة أو خفية ، وقد يكون ذلك بتعديل في الصورة ، أو باقتطاع من سياق ، أو بإعادة تركيب في العناصر ، أو بإعادة التخريج على أصل شرعي ، أو بغير ذلك من الأساليب التي من شـأنها تـبرئة النظام المستصحب من كل نسبة إلى التربة الثقافية العقدية التي نبت فيها .

وأما المرحلة الثانية :

فتكون بإدراج التراتيب والتنظيمات المستصحبة بعد تنظيفها وتهذيبها في سياق الشريعة ، لتحتل موضعاً جديداً ضمن المنظومة الشرعية بعدما كانت في سياق ثقافي آخر ، ولتصبح في موضعها الجديد أحكاماً شرعية مثلها مثل سائر الأحكام المتعلقة بأوجه الحياة المختلفة .

وإذا كان نجاح التطبيق الاستصحابي للشريعة الإسلامية في الواقع الراهن ، يتوقف في جانب كبير منه على ذلك الاجتهاد التكميلي.

بمرحلتيه السابقتين ، بحسبانه الضمانة الكبرى لتناسق وانسجام أحكام المنظومة الشرعية ، فإن توقيته يتوقف على طبيعة النظام المستصحب ، فمن النظم المستصحبة ما يتعين تناولها بالتهذيب العقدي والتأصيل الشرعي مع مرحلة التطبيق الاستصحابي ، ومنها ما يمكن تناوله بالاجتهاد المكمل في مرحلة تالية بعد الانتهاء من تنقية القوانين القائمة واستكمال الأحكام الناقصة .